الجاحظ
59
كتاب البغال
أصحاب الحديث يخوضون « 1 » في أبي حنيفة ، وفي كيف عظم شأنه بعد خموله ، قال : هيهات ! طارت بفتياه البغال الشّهب ! قالوا : ووجّه معاوية لما كلّموه في يزيد بن ربيعة بن مفرّغ رجلا مجرّدا ، لإخراجه من السجن ، فخرج حتى أتى سجستان فأخرجه ، فبلغ ذلك عبّاد بن زياد ، فأرسل إلى حمحام ، فلما رأى عهد معاوية كفّ ، وأقبل حمحام بابن مفرّغ على بغلة من بغال البريد ، وأنشأ ابن مفرّغ يقول : عدس ما لعبّاد إمارة * نجوت وهذا تحملين طليق طليق الّذي نجّى من الكرب بعد ما * تلاحم في درب عليك مضيق قوله : « عدس ما لعبّاد عليك إمارة » ، فزعم ناس أن « عدس » اسم لكلّ بغلة كمن ، وذهبوا إلى قول الشاعر : إذا حملت بزّتي على عدس * على الّتي بين الحمار والفرس فما أبالي من غزا ومن جلس قالوا : وإنما قوله : « عدس » على مثل قول خالد بن صفوان حين فاخر اليمانية ، وقال : « واللّه ما منهم إلّا ناسج برد ، أو سائس قرد ، أو دابغ جلد ، أو راكب عرد « 2 » ، غرّقتهم فأرة ، وملكتهم امرأة ، ودلّ عليهم هدهد » . وقال آخرون : قولهم : « عدس » للبغلة مثل قولهم : « سأسأ » للحمار ، و « حا » للجمل ، و « حل » للناقة . ألا تراه حين سخر
--> ( 1 ) يخوضون : يتجادلون . ( 2 ) عرد : حمار .